عبد القادر السلوي

254

الكوكب الثاقب في أخبار الشعراء وغيرهم من ذوي المناقب

فبقيت باهتا ساعة ، ثم أدركني ذهني ، فقلت للخياط : هو ممّن يشرب النبيذ ؟ قال : نعم ، وأحسب عنده اليوم دعوة « 1 » ، وليس ينادم إلّا تجارا مثله مستورين . فإني لكذلك إذ أقبل رجلان نبيلان راكبان ، من رأس الدّرب ، فقال لي الخياط . هؤلاء منادموه . فقلت : ما أسماؤها وما كناهما ؟ فقال : فلان وفلان وأخبرني بكناهما ، فحرّكت دابتي وداخلتهما ، وقلت : جعلت فداكما قد استبطأكما أبو فلان أعزّه الله ، وسايرتهما ، حتى أتينا إلى الباب فأجلّاني وقدّماني ، فدخلت ودخلا ، فلما رآني معهما صاحب المنزل لم يشكّ أني منهما بسبيل ، أو قادم قدمت عليهما من موضع ، فرحّب بي وأجلسني في أفضل المواضع ، فجيء يا أمير المؤمنين بالمائدة وعليها خبز نظيف وأتينا بتلك الألوان ، فكان يا أمير المؤمنين طعمها أطيب من ريحها ، فقلت في نفسي : هذه الألوان قد أكلتها . بقيت الكفّ أصل إلى صاحبتها . ثم رفع الطعام وجيء بالوضوء ، ثم صرنا إلى منزل المنادمة فإذا أشكل « 2 » منزل يا أمير المؤمنين . وجعل صاحب المنزل يلطفني ويقبل عليّ بالحديث ، وجعلوا لا يشكّون أن ذلك منه لي عن معرفة متقدّمة . وإنما ذلك الفعل كان منه لما ظنّ أني منهما بسبيل ، حتى إذا شربنا أقداحا خرجت علينا جارية يا أمير المؤمنين كأنها غصن بان يتثنّى فأقبلت فسلّمت غير خجلة ، وثنيت لها وسادة فجلست وأتى بعود ، فوضع في حجرها ، فجسّته فاستبنت في جسّها حذقها ، ثم اندفعت تغنّي « 3 » : ( الطويل ) توهّمها طرفي فأصبح خدّها * وفيه مكان الوهم من نظري أثر وصافحها قلبي فآلم كفّها * فمن مسّ قلبي في أناملها عقر

--> ( 1 ) الدّعوة : ما دعوت إليه من طعام وشراب ( اللسان : دعا ) ( 2 ) أشكل منزل أي أحسن منزل ( اللسان : شكل ) . ( 3 ) أول مقطعة غزلية في ثلاثة أبيات لأبي نواس في ديوانه 730 ومروج الذهب 3 / 424 والأغاني 5 / 228 وشرح المقامات 1 / 215 والبيتان في العقد الفريد 6 / 209 . والتاريخ الكبير 2 / 278 . الأثر بالضم أثر الجرح يبقى بعد البرء . العقر بالفتح الجرح والحزّ ( اللسان : أثر ، عقر ) .